أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

190

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ « 1 » ، وقوله : سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ « 2 » . وقد ضعّف قول الفراء من حيث الحذف ومن حيث وضع الظاهر موضع المضمر ، إذ الأصل : منهم أمة قائمة ، فوضع « أَهْلِ الْكِتابِ » موضع الضمير . والوجه أن يكون « لَيْسُوا سَواءً » جملة تامة ، وقوله : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ » جملة برأسها ، وقوله : « يَتْلُونَ » جملة أخرى مبيّنة لعدم استوائهم ، كما جاءت الجملة من قوله : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ « 3 » إلخ مبيّنة للخيرية . ويجوز أن يكون « يَتْلُونَ » في محلّ رفع صفة لأمة . ويجوز أن يكون حالا من « أُمَّةٌ » لتخصّصها بالنعت ، وأن يكون حالا من الضمير في « قائِمَةٌ » ، وعلى كونها حالا من « أُمَّةٌ » يكون العامل فيها الاستقرار الذي تضمّنه الجارّ ، ويجوز أن يكون حالا من الضمير المستكنّ في هذا الجارّ لوقوعه خبرا لأمة . قوله : آناءَ اللَّيْلِ ظرف ل « يَتْلُونَ » . والآناء : الساعات ، واحدها : « أنى » بفتح الهمزة والنون بزنة « عصا » أو « إني » بكسر الهمزة وفتح النون بزنة « معي » ، أو « أني » بالفتح والسكون بزنة « ظبي » أو : « إني » بالكسر والسكون بزنة « نحي » « 4 » ، أو « إنو » بالكسر والسكون مع الواو بزنة « جرو » ، فالهمزة في « آناءَ » منقلبة عن ياء على الأقوال الأربعة كرداء ، وعن واو على القول الأخير ، نحو : « كساء » وستأتي بقية هذه المادة في مواضع . ولا يجوز أن يكون « آناءَ اللَّيْلِ » ظرفا ل « قائِمَةٌ » قال أبو البقاء : « لأنّ « قائِمَةٌ » قد وصفت فلا تعمل فيما بعد الصفة » وهذا على تقدير أن يكون « يَتْلُونَ » وصفا لقائمة ، وفيه نظر ؛ لأنّ المعنى ليس على جعل هذه الجملة صفة لما قبلها ، بل على الاستئناف للبيان المتقدم ، وعلى تقدير جعلها صفة لما قبلها فهي صفة ل « أُمَّةٌ » لا ل « قائِمَةٌ » لأنّ الصفة لا توصف ، إلا أن يكون معنى الصفة الثانية لائقا بما قبلها نحو : « مررت برجل ناطق فصيح » ف « فصيح » صفة لناطق ، لأن معناه لائق به . وبعضهم يجعله وصفا لرجل ، وإنما المانع من تعلّق هذا الظرف ب « قائِمَةٌ » ما ذكرته من استئناف جملته . قوله : وَهُمْ يَسْجُدُونَ يجوز أن تكون حالا من فاعل « يَتْلُونَ » أي : يتلون القرآن وهم ساجدون ، وهذا قد يكون في شريعتهم مشروعية التلاوة في السجود بخلاف شريعتنا ، وبهذا يرجّح قول من يقول : إنهم غير أمة محمد . ويجوز أن تكون حالا من الضمير في « قائِمَةٌ » قاله أبو البقاء . وفيه ضعف للاستئناف المذكور ، ويجوز أن تكون مستأنفة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 114 إلى 117 ] يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 )

--> ( 1 ) سورة الحج ، آية ( 25 ) . ( 2 ) سورة الجاثية ، آية ( 21 ) . ( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 110 ) . ( 4 ) النّحي : زقّ السمن .